ملفات شائكة

الحرب الباردة بين الصين وأمريكا على «تورتة» الذكاء الاصطناعي

ملف يكتبه ـ نبيل الخوارزمي

لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على الذكاء الاصطناعي تُحسم بالإعلان عن نموذج يكتب أسرع أو يجيب بدقة أكبر. المعركة تمتد إلى الرقائق التي تشغّل النماذج، والكهرباء التي تغذي مراكز البيانات، والمواهب التي تطورها، والأسواق التي ستعتمد عليها. واشنطن تريد الحفاظ على تفوقها ونشر منظومتها التقنية عالميًا، وبكين تسعى إلى تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية وإدخال الذكاء الاصطناعي في الصناعة والخدمات. وبينهما تقف دول وشركات عليها أن تختار ما تشتريه، وما تبنيه بنفسها، ومن تثق به في إدارة بياناتها.

لماذا تبدو حربًا باردة؟

لا تتواجه الدولتان في ساحة قتال، لكنهما تستخدمان أدوات ضغط مألوفة في صراعات النفوذ: قيود التصدير، والاستثمار الضخم، وبناء التحالفات، والتنافس على المعايير والأسواق. كل قرار بشأن شريحة إلكترونية أو مركز بيانات يمكن أن يؤثر في قدرة الطرف الآخر على تطوير نماذجه وبيع خدماته. لذلك فإن وصف «الحرب الباردة» هنا مجاز سياسي واقتصادي، لا يعني أن كل تعاون بين البلدين قد توقف.

الرقائق: القطعة التي يصعب تعويضها

تحتاج النماذج الكبيرة إلى أعداد هائلة من الشرائح المتقدمة لتدريبها وتشغيلها. لكن امتلاك تصميم نموذج جيد لا يكفي إذا تعذّر الحصول على الشرائح، أو الذاكرة عالية النطاق، أو معدات تصنيع أشباه الموصلات. لهذا وضعت الولايات المتحدة قيودًا على تصدير تقنيات مرتبطة بالحوسبة المتقدمة إلى الصين، وشملت إجراءات أعلنتها في ديسمبر 2024 معدات تصنيع وبرمجيات وذاكرة تُستخدم في أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، لا يصح اختزال السياسة الأمريكية في عبارة «منع بيع الرقائق للصين». ففي يناير 2026 أعلنت وزارة التجارة الأمريكية مراجعة طلبات ترخيص تصدير شرائح مثل Nvidia H200 وAMD MI325X إلى الصين كل حالة على حدة، وفق شروط أمنية وامتثال محددة. هذه التفاصيل مهمة: القيود تتغير، وبعض الصادرات قد تُجاز، لكن الوصول إلى التقنية يظل قرارًا سياسيًا وتجاريًا بقدر ما هو قرار تقني.

ردّ بكين: بناء بدائل محلية

تدرك الصين أن الاعتماد على مورد خارجي في قلب منظومة الذكاء الاصطناعي يضعها أمام نقطة ضعف مستمرة. لذلك تجمع خططها بين تطوير الرقائق والبرمجيات التي تعمل عليها، وتحسين طرق تدريب النماذج وتشغيلها، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المصانع. وأعلنت الحكومة الصينية في 2026 هدفًا يتمثل في تعزيز إمدادات التقنيات الأساسية للصناعة بحلول 2027، مع دعم منظومة للبرمجيات والنماذج مفتوحة المصدر. هذه أهداف معلنة، وليست دليلًا على أن الصين تجاوزت بالفعل جميع فجوات التصنيع المتقدم.

مفاجأة ديب سيك

أظهرت تجربة شركة «ديب سيك» الصينية أن المنافسة لا تسير دائمًا وفق قاعدة «الأكثر إنفاقًا يفوز». فعندما طرحت نموذج DeepSeek-R1 في يناير 2025، أتاحت أوزانه وتقريرًا تقنيًا ونماذج أصغر مشتقة منه، ما وسّع قدرة المطورين على تجربته وتعديله. لم يُلغِ ذلك أهمية الرقائق أو التمويل، لكنه أثبت أن تحسين أساليب التدريب وإتاحة النماذج يمكن أن يغيّرا شكل المنافسة.

ويقيس تقرير جامعة ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2026 أثر هذا التحول: الفجوة في أداء النماذج المتقدمة بين البلدين تقلصت بشدة، وتبادلت نماذج أمريكية وصينية مواقع الصدارة في بعض التقييمات منذ أوائل 2025. لكن نتيجة اختبار للنموذج لا تعني وحدها أن البلد الذي طوّره يمتلك أفضل الرقائق، أو أكبر سوق، أو أكثر التطبيقات نجاحًا.

الأموال: تفوق أمريكي يحتاج إلى قراءة دقيقة

تتمتع الولايات المتحدة بميزة ضخمة في التمويل الخاص. ووفق تقرير ستانفورد، بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي داخلها 285.9 مليار دولار في 2025، مقابل 12.4 مليار دولار في الصين. الفارق كبير، لكنه لا يمثل الحساب الكامل لما ينفقه الطرفان؛ فالتقرير نفسه ينبه إلى أن قياس الاستثمار الخاص وحده قد يقلل من حجم الإنفاق الصيني، بسبب دور الصناديق الموجهة من الدولة. ومن الخطأ، إذن، تحويل الرقمين إلى حكم نهائي بشأن من سينتصر.

الأهم من حجم المال هو ما ينتجه: هل تتحول مراكز البيانات إلى خدمات مربحة؟ وهل تساعد النماذج الشركات والمستشفيات والمصانع على أداء عملها بصورة أفضل؟ يمكن لأي طرف أن ينفق بسخاء على البنية التحتية، ثم يكتشف أن بناءها كان أسرع من نمو الطلب الحقيقي عليها.

الكهرباء تدخل السباق

وراء كل إجابة يولدها نموذج كبير شبكة من الخوادم والتبريد وإمدادات الكهرباء. وقدّرت وكالة الطاقة الدولية استهلاك مراكز البيانات عالميًا بنحو 485 تيراواط ساعة في 2025، وتتوقع أن يصل إلى نحو 950 تيراواط ساعة في 2030 في سيناريوها المركزي. وهذه أرقام تخص مراكز البيانات عمومًا، لا الذكاء الاصطناعي وحده، وإن كانت مراكز البيانات المخصصة له تنمو بوتيرة أسرع. كما تحذر الوكالة من اختناقات في الكهرباء والمكونات اللازمة للتوسع.

لهذا لم تعد خطة الذكاء الاصطناعي مجرد قرار تتخذه شركة برمجيات. إنها تحتاج إلى أرض، وتصاريح، ومحولات كهربائية، وعمالة ماهرة، وقدرة على تحمّل التكلفة البيئية والمالية. الطرف الذي يملك أفضل نموذج قد يتعطل نموه إذا لم يستطع تشغيله على نطاق واسع وبسعر مقبول.

واشنطن تريد بيع المنظومة كاملة

تقول خطة العمل الأمريكية للذكاء الاصطناعي، الصادرة في يوليو 2025، إن واشنطن تريد تسريع الابتكار وبناء البنية التحتية وتعزيز دورها الدولي. وتتضمن الخطة العمل مع الشركات على تقديم حزم تقنية للحلفاء والشركاء تشمل العتاد والنماذج والبرمجيات والتطبيقات والمعايير. هنا تظهر قيمة «التورتة» الحقيقية: الربح لا يأتي من اشتراك المستخدم في تطبيق واحد فقط، بل قد يمتد إلى الشريحة والخادم والخدمة السحابية وأدوات التطوير التي يعتمد عليها التطبيق.

وبكين تريد الذكاء الاصطناعي في كل قطاع

في المقابل، تدفع الصين بمبادرة «الذكاء الاصطناعي بلس» لدمج التقنية في البحث العلمي والصناعة والاستهلاك والخدمات العامة والحوكمة. وتستهدف خطتها المعلنة انتشارًا واسعًا للأجهزة الذكية والوكلاء الرقميين بحلول 2030. كما طرحت في يوليو 2026 خطة للتعاون الدولي تتناول البيانات والقدرات الحاسوبية والمواهب والمعايير وحوكمة الذكاء الاصطناعي. بذلك لا تسعى بكين إلى إنتاج نماذج منافسة فحسب، بل إلى توسيع حضورها في الاستخدامات العملية والتعاون الخارجي.

السوق العالمية هي الجائزة الكبرى

حين تعتمد مؤسسة على منظومة ذكاء اصطناعي، فإن قرارها لا ينتهي عند اختيار اسم النموذج. عليها أن تحدد أين ستُخزَّن بياناتها، وكم ستدفع مقابل تشغيله، وهل يمكنها الانتقال إلى مورد آخر، ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ النظام. هذه الأسئلة تجعل الأسواق خارج أمريكا والصين جزءًا من المنافسة، لا مجرد متفرج عليها.

ويمكن استنتاج أن الدول العربية تملك مساحة تفاوض أوسع كلما امتلكت مهاراتها وبياناتها وقدرتها على تقييم النماذج محليًا. اختيار خدمة أمريكية أو صينية قد يكون مناسبًا لمهمة بعينها، لكن الاعتماد الكامل على مورد واحد يجعل تغيير الأسعار أو شروط الاستخدام مشكلة مباشرة للمؤسسات التي بنت أعمالها فوقه.

من يربح «التورتة»؟

حتى الآن، لا توجد إجابة واحدة. الولايات المتحدة تتقدم في الاستثمار الخاص وإنتاج عدد أكبر من النماذج الرائدة، بينما تملك الصين قوة في حجم البحث وبراءات الاختراع والتطبيق الصناعي، وفق تقرير ستانفورد لعام 2026. وتتغير جودة النماذج بسرعة أكبر من تغير المصانع وشبكات الكهرباء وسلاسل التوريد. لهذا قد يتفوق طرف في النماذج، وآخر في سرعة إدخالها إلى المصانع، ويكسب طرف ثالث حصة من السوق عبر خدمة أرخص أو أكثر ملاءمة للغة المحلية.

الصورة الأقرب إلى الواقع أن «تورتة» الذكاء الاصطناعي لن تُقطع بسكين واحدة. بعضها سيذهب إلى صانعي الرقائق، وبعضها إلى مطوري النماذج، وبعضها إلى من يملك الطاقة والبيانات والعملاء. أما المعركة التي ستؤثر في حياتنا مباشرة فهي معركة تحويل هذه القدرات إلى خدمات نافعة وآمنة، يستطيع الناس والشركات دفع ثمنها والثقة بنتائجها.

المصادر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى