ملفات شائكة

فرملة الذكاء الاصطناعي.. القانون عاجز أمام الآلة

كلما ظهر نموذج ذكاء اصطناعي أقوى، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: من يضغط على الفرامل؟ الحكومات تكتب القوانين، والبرلمانات تناقش، والشركات تتعهد بالمسؤولية، لكن الآلة تتقدم بسرعة لا تشبه إيقاع التشريع. فالقانون يحتاج سنوات ليولد، ثم سنوات أخرى ليُطبق، بينما تتضاعف قدرات الأنظمة الذكية في شهور. والنتيجة فجوة تتسع بين ما تستطيع التقنية فعله وما يستطيع القانون ضبطه، وهي فجوة لا تخص أوروبا أو أمريكا وحدهما، بل كل دولة تستخدم هذه الأنظمة أو تستوردها.

آلة تسبق المشرّع بخطوات

في فبراير 2026 صدر «التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي» بمشاركة أكثر من مئة خبير مستقل، برئاسة عالم الحاسوب الكندي يوشوا بنجيو، وبدعم لجنة استشارية تضم ممثلين عن أكثر من ثلاثين دولة إلى جانب الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة. ورصد التقرير أن قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على إنجاز مهام برمجية بصورة موثوقة تتضاعف تقريبًا كل سبعة أشهر، وأن ما لا يقل عن 700 مليون شخص يستخدمون الأنظمة الرائدة أسبوعيًا.

لكن أهم ما في التقرير ليس الأرقام، بل ما سماه «معضلة الأدلة». فالمشهد يتغير بسرعة، بينما تظهر الأدلة على المخاطر الجديدة وعلى فاعلية وسائل الحماية ببطء. وإذا تحرك صانع القرار قبل اكتمال الأدلة فقد يصدر قواعد غير فعالة أو تعرقل الابتكار بلا داعٍ، وإذا انتظر الأدلة الكاملة فقد يترك المجتمع مكشوفًا أمام أضرار وقعت بالفعل. كما لاحظ التقرير أن معظم إدارة المخاطر ما زال طوعيًا، وأن هناك فجوة معلومات واضحة بين الشركات المطورة والجهات التنظيمية.

أوروبا تضغط على الفرامل.. ثم تخففها

يُعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي أكثر محاولات التنظيم طموحًا في العالم، إذ يصنف الأنظمة حسب درجة خطورتها. وقد بدأ تطبيق قائمة الممارسات المحظورة في فبراير 2025، ثم التزامات نماذج الذكاء الاصطناعي العامة في أغسطس 2025. لكن الحلقة الأهم، وهي قواعد الأنظمة عالية الخطورة المستخدمة في مجالات مثل التوظيف والتعليم والخدمات الأساسية، كانت ستدخل حيز التنفيذ في أغسطس 2026.

ثم جاءت حزمة التعديلات المعروفة باسم «الحزمة الرقمية الشاملة»، التي جرى التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأنها في مايو 2026، ودخلت حيز التنفيذ في 27 يوليو 2026. وبموجبها تأجلت التزامات الأنظمة عالية الخطورة إلى 2 ديسمبر 2027، وتأجلت التزامات الأنظمة المدمجة في منتجات خاضعة لتشريعات السلامة الأوروبية إلى أغسطس 2028، كما مُنحت الأنظمة القائمة مهلة حتى ديسمبر 2026 لتطبيق متطلبات وسم المحتوى المولد آليًا. وفي المقابل أضافت التعديلات حظرًا جديدًا على الأنظمة التي تولد صورًا أو مقاطع حميمة لأشخاص دون موافقتهم أو مواد استغلال جنسي للأطفال.

المفارقة هنا واضحة: أكثر القوانين صرامة في العالم أجّل قلبه التنفيذي قبل أن يبدأ. ويرى مؤيدو التأجيل أن الشركات والهيئات الرقابية لم تكن جاهزة، وأن المعايير الفنية اللازمة للامتثال لم تكتمل بعد، بينما يرى منتقدوه أن كل عام تأجيل يعني عامًا إضافيًا تعمل فيه أنظمة تؤثر في مصائر الناس دون قواعد ملزمة.

أمريكا: خمسون مختبرًا وقرار يريد إغلاقها

في الولايات المتحدة لا يوجد قانون اتحادي شامل للذكاء الاصطناعي، فتولت الولايات المهمة بنفسها. وبحلول يوليو 2026 كانت 29 ولاية قد أصدرت تشريعات متعلقة بالذكاء الاصطناعي، بإجمالي 109 قوانين، من بينها 14 قانونًا لتنظيم روبوتات المحادثة المرافقة من أصل أكثر من مئة مشروع قُدمت في هذا المجال. وأقرت كاليفورنيا في 2025 قانونًا يفرض متطلبات سلامة وشفافية على مطوري النماذج المتقدمة، وآخر لتنظيم روبوتات المحادثة المرافقة، بينما قلصت كولورادو بدرجة كبيرة قانونها الشامل لمكافحة التمييز الخوارزمي.

لكن هذا التنوع يواجه ضغطًا معاكسًا من واشنطن. ففي ديسمبر 2025 أصدر الرئيس الأمريكي أمرًا تنفيذيًا أنشأ فريق عمل قانونيًا لمواجهة قوانين الولايات التي لا تعد «في الحد الأدنى من العبء»، ووجه وزارة التجارة إلى دراسة حجب جزء من تمويل الإنترنت عريض النطاق عن الولايات التي تصدر قوانين مرهقة. وكان مجلس الشيوخ قد رفض في 2025 مقترحًا لتجميد قوانين الولايات الخاصة بالذكاء الاصطناعي. وهكذا تبدو الفرامل الأمريكية موزعة بين خمسين يدًا، بينما تحاول السلطة الاتحادية رفع بعض هذه الأيدي عن المقود باسم حماية الابتكار والمنافسة.

من يتحمل الخطأ؟

أخطر مساحات العجز القانوني ليست في سرعة التقنية فقط، بل في سؤال المسؤولية. إذا رفض نظام ذكي طلب قرض، أو استبعد مرشحًا لوظيفة، أو قدم نصيحة طبية خاطئة، فمن المسؤول: المطور، أم الجهة التي اشترت النظام، أم المستخدم الذي اعتمد عليه؟ القوانين التقليدية صُممت لمنتجات ثابتة، بينما يتغير سلوك النماذج مع البيانات وطريقة الاستخدام، ويصعب أحيانًا تفسير سبب قرار بعينه حتى على من طوره.

وقد سحبت المفوضية الأوروبية في 2025 مقترحًا كان يستهدف تسهيل مطالبة المتضررين بالتعويض عن أضرار الذكاء الاصطناعي، ما أبقى هذا الملف معلقًا على قواعد المسؤولية العامة. وحتى قوانين حماية البيانات، المطبقة اليوم في 144 دولة، لم تُكتب أصلًا مع وضع الذكاء الاصطناعي في الحسبان، رغم أن غرامات اللائحة الأوروبية لحماية البيانات وحدها تجاوزت 7.1 مليار يورو منذ 2018. فالشركة قد تلتزم بقانون البيانات وتخالف قانون الذكاء الاصطناعي، أو العكس، في متاهة من الالتزامات المتداخلة.

هل الفرملة ممكنة أصلًا؟

الحديث عن «فرملة» الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة إيقافه، فلا توجد اليوم جهة واحدة تملك هذه القدرة، ولا اتفاق دولي يسمح بها. لكن هناك أدوات أكثر واقعية بدأت تظهر: تنظيم الاستخدامات عالية الخطورة بدل محاولة تنظيم التقنية نفسها، وفرض الشفافية على المحتوى المولد آليًا، وإلزام المطورين بتقييمات سلامة قبل طرح النماذج الكبرى، وإنشاء بيئات تجريبية تنظيمية تختبر فيها الأنظمة تحت رقابة قبل تعميمها.

غير أن هذه الأدوات تحتاج إلى ما يفتقده كثير من الهيئات الرقابية: خبراء يفهمون النماذج، وقدرة فنية على اختبارها، وصلاحية للوصول إلى معلومات تحتفظ بها الشركات. فالقانون الذي لا تستطيع جهة ما تطبيقه يظل نصًا جميلًا على الورق، والآلة لا تقرأ النصوص.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تقف الدول العربية أمام المعضلة نفسها، لكن من موقع مختلف. فهي في الغالب تستورد النماذج والخدمات من شركات أمريكية أو صينية، ما يعني أنها تستورد معها قواعد الاستخدام والقرارات التصميمية التي اتخذتها تلك الشركات. وكلما تأخرت التشريعات المحلية في تحديد المسؤولية وحماية البيانات وضوابط الاستخدام في القطاعات الحساسة، أصبحت شروط الموردين هي القانون الفعلي.

ولا يعني ذلك نسخ القانون الأوروبي أو انتظار حسم الخلاف الأمريكي، بل بناء قدرة وطنية على تقييم الأنظمة قبل اعتمادها في الخدمات الحكومية والصحة والتعليم والقضاء، وتحديد من يتحمل الخطأ عندما يقع، وإلزام الجهات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بإبلاغ المواطن عندما يتعامل مع آلة لا مع إنسان.

سباق غير متكافئ

القانون بطبيعته يأتي بعد الواقعة، أما الذكاء الاصطناعي فيصنع وقائع جديدة كل يوم. لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي هو كيف نوقف الآلة، بل كيف نجعل القانون أسرع تعلمًا: قواعد مرنة تُراجع دوريًا، وهيئات رقابية تملك الخبرة، ومسؤولية واضحة لا تضيع بين المطور والمستخدم. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل الفرامل في يد من يصنع الآلة أكثر مما هي في يد من يكتب القانون.

ــــــــــــــــــــ

هذا المحتوي تم باستخدام أدوات الذكاء الإصطناعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى