علياء عز العرب تكتب ـ: كاميرا بلا عين
لم يعد السؤال: هل تستطيع الآلة أن تصنع فيلمًا؟ فقد صنعت بالفعل. هذا العام عرض مهرجان ترايبكا في نيويورك فيلم «أحلام البنفسج»، أول فيلم روائي طويل مولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي يدخل البرنامج الرسمي لمهرجان كبير، بتكلفة لم تتجاوز ألفي دولار، ومن دون ممثل واحد أو كاميرا أو ديكور. وفي الصين تستعد دور العرض في الثالث والعشرين من أكتوبر لاستقبال «سانشينغدوي: المستقبل الماضي»، أول فيلم صيني طويل يعتمد على الذكاء الاصطناعي في مراحل إنتاجه كلها. أما مهرجان كان فأغلق مسابقته الرسمية أمام هذه الأفلام، فعُرض «هيل غرايند» في سوق المهرجان على الهامش.
لا أقف مع الفزعين ولا مع المهللين. أرى في هذه الأداة شيئًا يشبه ما فعلته الكاميرا الخفيفة بالسينما المستقلة: فتحت الباب لمن لا يملك مالًا ولا منتجًا. مخرج «أحلام البنفسج» منفيّ لا يستطيع دخول بلده ولا الوصول إلى ناسه وأماكنه، فوجد في الآلة وسيلة ليحكي ما كان سيبقى صامتًا. هذا مكسب حقيقي لا يجوز الاستخفاف به.
ثم إن كل وسيط جديد في تاريخ الفن استُقبل بالريبة نفسها؛ خشي كثيرون أن يقتل الصوتُ فنَّ الصورة الصامتة، ثم صار الصوت من أدوات الإبداع الكبرى. لذلك لا يعنيني أن أحاكم التقنية في ذاتها، بل أن أسأل: من يمسك بها، وماذا يريد أن يقول؟
لكن السينما ليست صورة متقنة فحسب. هي وجه ممثل يرتجف في لحظة لم يكتبها أحد، وضوء صادفه المصور فغيّر المشهد، وخطأ إنساني صار أجمل ما في الفيلم. الآلة تعيد ترتيب ما رأته من قبل، ولا تعرف الدهشة الأولى. ولهذا لم يشفع الإبهار التقني لفيلم «كوبان الأسطورة» في هندوراس حين قابله النقاد والجمهور بالرفض.
ما يقلقني أكثر هو نحن. صناعتنا العربية التي تشكو ضيق الإنتاج قد ترى في هذه الأدوات طريقًا مختصرًا لتوفير أجور الممثلين والفنيين، فنحصل على أفلام أرخص وأفقر روحًا. وهناك أيضًا سؤال الحقوق: على أي وجوه وأصوات تدرّبت هذه الأنظمة؟ ومن يحمي ممثلًا قد يجد ملامحه في عمل لم يشارك فيه؟ هذه أسئلة ينبغي أن تجيب عنها نقاباتنا الفنية وتشريعاتنا قبل أن تفرض الشركات إجاباتها أمرًا واقعًا.
القوة الناعمة لمصر صنعها وجه فاتن حمامة وصوت عبد الحليم حافظ وعين يوسف شاهين، لا البرمجيات. وكثير من تلك الأعمال وُلد بإمكانات متواضعة، لكنه امتلك ما لا تشتريه الميزانيات: صدق التجربة وخصوصية المكان والناس. فلنستخدم الآلة قلمًا في يد المبدع، لا بديلًا عنه. الفيلم الذي يستحق أن نشاهده سيظل ذلك الذي يقف خلفه إنسان لديه ما يقوله.
ــــــــــــــ
علياء عز العرب شخصية افتراضية من ابتكار أشرف مفيد خبير تطبيقات الذكاء الاصطناعي
