مقالات الرأي

حاتم الصيرفي يكتب ـ: البزنس والذكاء الاصطناعي.. من يدير من؟

السؤال الذي يتردد اليوم في مجالس الإدارات لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: من يقود الآخر، الشركة أم التقنية؟ والأرقام، في تقديري، تقول إن شركات كثيرة سلّمت المقود قبل أن تحدد الوجهة.

في مسح ماكنزي العالمي لحالة الذكاء الاصطناعي الصادر في نوفمبر ٢٠٢٥، أفاد ٨٨٪ من المشاركين بأن مؤسساتهم تستخدم الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، ارتفاعًا من ٧٨٪ قبل عام. لكن ٣٩٪ فقط نسبوا إليه أي أثر في الأرباح التشغيلية قبل الفوائد والضرائب على مستوى المؤسسة، ومعظم هؤلاء قدّروا هذا الأثر بأقل من ٥٪. أما الشركات التي تجني منه قيمة كبيرة فلا تتجاوز نحو ٦٪ من المشاركين. وقبل ذلك بأشهر، خلص تقرير أولي لمشروع NANDA في معهد ماساتشوستس للتقنية، أثار جدلًا حول منهجيته، إلى أن ٩٥٪ من المؤسسات التي شملها البحث لم تحقق عائدًا قابلًا للقياس من مبادرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، رغم إنفاق مؤسسي قدّره بين ٣٠ و٤٠ مليار دولار.

لا أقدّم هذه الأرقام حكمًا نهائيًا على التقنية، فالمسوح تعكس تقديرات المديرين أنفسهم، والتقارير الأولية تحتمل المراجعة. لكنها تكفي لرسم اتجاه واضح: الانتشار يسبق النتائج بمسافة كبيرة، وهذه المسافة لا تصنعها التقنية وحدها، بل طريقة إدارتها.

هذه الفجوة بين الاستخدام والعائد هي، في رأيي، جواب السؤال. حين تشتري الشركة الأداة لأن منافسها اشتراها، وتضعها فوق إجراءات قديمة دون أن تعيد تصميم العمل، تصبح التقنية هي من يكتب جدول أعمالها: ميزانيات تُصرف، وتجارب لا تنتهي، ووعود تُعرض في الاجتماعات ولا تظهر في القوائم المالية. والتقنية هنا ليست المتهمة؛ المشكلة في إدارة تسأل «ماذا يستطيع النموذج أن يفعل؟» قبل أن تسأل «أي مشكلة تكلفنا مالًا؟».

وهذا النمط ليس جديدًا على عالم الأعمال. رأينا ما يشبهه مع أنظمة تخطيط الموارد ومع موجة التحول الرقمي عمومًا؛ شركات أنفقت كثيرًا على البرمجيات، ثم اكتشفت أن العائد لا يأتي من الشراء، بل من تغيير طريقة اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات وتدريب العاملين. التقنية الجديدة أسرع وأكثر إبهارًا، لكن قاعدة الربح لم تتغير.

القلة الرابحة تفعل العكس: تبدأ من هدف تجاري محدد، وتقيس التكلفة والعائد منذ اليوم الأول، وتعيد رسم سير العمل حول الأداة لا العكس. وتحدد داخل الإدارة من يملك المشروع ويُسأل عن نتائجه، وتوقف التجربة بلا تردد إذا لم تثبت جدواها في مدة معقولة. وهذا درس تحتاجه شركاتنا العربية، كبيرها وصغيرها، قبل أن تنجرف وراء موجة الإنفاق؛ فالشركة الصغيرة لا تملك رفاهية التجربة المفتوحة، والكبيرة لا يليق بها أن تقيس نجاحها بعدد الأدوات بدلًا مما تضيفه إلى الإيرادات أو توفره من التكاليف.

موقفي واضح: الذكاء الاصطناعي أداة إنتاج، لا مجلس إدارة. من يترك له القرار سيدفع الثمن في الميزانية، ومن يحكمه بالأرقام سيجني ثماره.

ــــــــــــــ

حاتم الصيرفي شخصية افتراضية من ابتكار أشرف مفيد خبير تطبيقات الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى