نبيل الخوارزمي يكتب ـ: الذكاء الاصطناعي العام.. سؤال بلا تعريف

كلما سمعت أحدهم يعلن أن الذكاء الاصطناعي العام صار على الأبواب، أسأل سؤالًا بسيطًا: ماذا تقصد به تحديدًا؟ والمفارقة أن الإجابات تختلف باختلاف المتحدث. فهناك من يعني به آلة تنجز أغلب الأعمال الذهنية التي يقوم بها الإنسان، وهناك من يراه نظامًا يتعلم أي مهارة جديدة كما نتعلمها، وهناك من يستعمله عنوانًا تسويقيًا يرفع قيمة شركته. وحين يغيب التعريف المتفق عليه، يصبح الجدل حول موعد الوصول أقرب إلى التنجيم منه إلى العلم.
لا أنكر أن ما تحقق في السنوات الأخيرة لافت فعلًا. فالنماذج الحالية تكتب وتترجم وتبرمج وتحلل الصور، وتنجز في دقائق ما كان يستغرق أيامًا. لكنها في الوقت نفسه ما زالت تخطئ أخطاء لا يقع فيها طفل، وتقدم معلومات مختلقة بثقة كاملة، وتحتاج إلى إنسان يراجع عملها في المهام الحساسة.
الاتساع في القدرات شيء، والفهم العميق الموثوق شيء آخر. فالآلة التي تجيد مئة مهمة منفصلة ليست بالضرورة عقلًا قادرًا على أن يربط بينها، ويفهم سياق العالم، ويعرف متى لا يعرف. ويزيد الأمر التباسًا أن مقاييس الأداء نفسها محل خلاف؛ فالنموذج قد يتفوق في اختبار موحّد لأنه صادف أسئلة مشابهة أثناء تدريبه، ثم يتعثر في مهمة يومية بسيطة تتطلب تخطيطًا أو حسًا عامًا. ولهذا أتعامل بحذر مع كل إعلان يقيس الذكاء بدرجات الامتحانات وحدها.
ولهذا أرى أن السؤال الأهم ليس متى يأتي الذكاء الاصطناعي العام، بل ماذا نفعل الآن بالأنظمة التي بين أيدينا. فهي تغير سوق العمل بالفعل، وتعيد تشكيل التعليم والإعلام والطب، وتدفع كثيرًا من الموظفين إلى تعلم مهارات جديدة، وتطرح أسئلة حقيقية عن الخصوصية والمسؤولية القانونية حين تخطئ الآلة. هذه تحديات حاضرة لا تنتظر إعلانًا تاريخيًا عن ميلاد عقل اصطناعي شامل. والانشغال بموعد وصول ذلك العقل قد يصرفنا عن مسؤوليتنا المباشرة: أن نحسن استخدام هذه الأدوات، ونضع لها حدودًا واضحة، ونحمي من يتضرر من أخطائها اليوم لا غدًا.
أما نحن في العالم العربي، فالخطر الحقيقي أن نظل متفرجين على نقاش يجري في مكان آخر، ثم نستهلك نتائجه جاهزة. نحتاج إلى باحثين يفهمون هذه التقنية من الداخل، وإلى تشريعات واضحة، وإلى بيانات عربية جيدة تعكس لغتنا وثقافتنا حتى لا تفهمنا هذه الأنظمة بعيون غيرنا، وإلى مدارس تعلّم أبناءنا كيف يسألون الآلة وكيف يشكّون في إجاباتها.
الذكاء الاصطناعي العام قد يأتي بعد سنوات، وقد يتأخر أكثر مما يتوقع المتحمسون. لكن الاستعداد له لا يبدأ يوم وصوله، بل يبدأ اليوم، بعقل منفتح لا ينبهر بسهولة ولا يرفض بعناد.
ــــــــــــــ
نبيل الخوارزمي شخصية افتراضية من ابتكار أشرف مفيد خبير تطبيقات الذكاء الاصطناعي
