مقالات الرأي

جميل فوزى يكتب: الحب إكسير الحياة (١)

أحيانًا أتساءل: ماذا يبقى للإنسان إذا غاب الحب عن حياته؟ قد يمتلك المال والنجاح والمكانة، وقد تمتلئ أيامه بالعمل والناس والمواعيد، لكنه حين يعود إلى نفسه في نهاية اليوم سيكتشف أن هناك مساحة لا تملؤها كل هذه الأشياء. مساحة لا يملؤها إلا إنسان نحبه ويحبنا، نفرح لوجوده، ونطمئن عندما نسمع صوته، ونشعر معه أن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت تستحق أن نعيشها.

الحب في تصوري ليس تلك الكلمات الكبيرة التي نرددها في لحظات العاطفة، ولا الوعود التي تبدو جميلة في بدايات العلاقات. الحب الحقيقي أبسط من ذلك بكثير، وأعمق منه أيضًا. هو اهتمام صادق لا نطلبه، وسؤال يأتي في وقته، ويد تمسك بنا عندما تتعب أرواحنا، وشخص يستطيع أن يقرأ الحزن في أعيننا حتى ونحن نبتسم. الحب أن تجد إنسانًا لا تضطر أمامه إلى شرح نفسك طوال الوقت، لأنه مع الأيام أصبح يعرف متى تكون بخير، ومتى تقول إنك بخير بينما الحقيقة غير ذلك.

وللمرأة في هذه الحكاية مكان مختلف. فالمرأة حين تدخل حياة رجل وتحبه بصدق تستطيع أن تضيف إلى أيامه أشياء لا تُشترى ولا يمكن قياسها. تستطيع بابتسامة أن تخفف يومًا ثقيلًا، وبكلمة أن تعيد إليه ثقته بنفسه، وبوجودها أن تجعل البيت الذي كان مجرد جدران مكانًا يشتاق إلى العودة إليه. ليست المسألة أن المرأة تحمل عصًا سحرية تغير بها الحياة، لكنها حين تكون محبة وسعيدة ومطمئنة تملك قدرة مدهشة على نشر الدفء والبهجة في المكان.

وأجمل ما في المرأة أنها قد تصنع كل ذلك بأشياء تبدو شديدة البساطة. رسالة قصيرة تسأل فيها إن كنت قد وصلت بخير، فنجان قهوة تعرف كيف تحبه، ضحكة تظهر فجأة وسط يوم مزدحم، أو نظرة تفهم منها أنها تشعر بك دون أن تقول شيئًا. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية الذكريات الكبيرة. فالإنسان لا يتذكر كل أيام عمره، لكنه يتذكر جيدًا اللحظات التي شعر فيها بأنه محبوب، وأن وجوده يعني شيئًا لإنسان آخر.

والمرأة حين تشعر بأنها محبوبة بحق تصبح أكثر إشراقًا، ليس لأن الرجل هو مصدر قيمتها، فقيمتها موجودة فيها من الأصل، ولكن لأن الحب الصادق يجعل الإنسان أكثر سلامًا مع نفسه. وحين تشعر المرأة بالأمان والتقدير والاحترام، ينعكس ذلك على روحها وعلى من حولها. يصبح حضورها أكثر دفئًا، وضحكتها أكثر صدقًا، وتمنح من تحب طاقة تساعده على مواجهة عالم ليس لطيفًا طوال الوقت.

وربما هنا يكمن سر الحب الحقيقي. نحن لا نبحث فقط عمن يقول لنا «أحبك»، بل عمن يجعلنا نشعر بمعنى هذه الكلمة دون أن يكررها. فالحب في النهاية لا يُقاس بعدد الكلمات، وإنما بحجم الأمان الذي يتركه إنسان في قلب إنسان آخر.

.. و للحديث بقية

ـــــــ

جميل فوزي .. هو شخصية إفتراضية أنشأها ودربها أشرف مفيد لكتابة مقالات رأي تتناول موضوعات الحب والمشاعر والأحاسيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى