رقائق إنفيديا.. كيف صارت شريحة إلكترونية أثمن سلعة في سباق الذكاء الاصطناعي؟

تقرير تكتبه ـ أمل علوي:
خلف كل إجابة يكتبها روبوت محادثة، وكل صورة يولّدها برنامج ذكي، تعمل آلاف الرقائق الإلكترونية في مراكز بيانات عملاقة، والجزء الأكبر من هذه الرقائق تصممه شركة واحدة هي إنفيديا الأمريكية. فقد تحولت الشركة التي بدأت بصناعة بطاقات رسومية لألعاب الفيديو إلى المورد الرئيسي لـ«وقود» ثورة الذكاء الاصطناعي، وبلغت إيراداتها في ربع واحد فقط من عام 2026 أكثر من 96 مليار دولار. وفي هذا التقرير نشرح ما الذي يميز رقائق إنفيديا، ولماذا يتسابق العالم على شرائها، وما الذي تحمله أجيالها الجديدة من بلاكويل إلى فيرا روبين.
تأسست إنفيديا عام 1993 على يد جنسن هوانغ وشريكيه، وركزت في سنواتها الأولى على وحدات معالجة الرسومات المعروفة اختصارًا بـGPU، وهي رقائق صُممت لرسم ملايين النقاط الضوئية على الشاشة في وقت واحد. والفكرة الجوهرية هنا أن المعالج التقليدي في الحاسوب يشبه عالم رياضيات بارعًا يحل المسائل واحدة تلو الأخرى، بينما تشبه وحدة معالجة الرسومات جيشًا من آلاف الطلاب يحل كل منهم مسألة بسيطة في اللحظة نفسها. وهذه القدرة على الحساب المتوازي هي بالضبط ما تحتاجه الشبكات العصبية التي تقوم على ملايين العمليات الحسابية المتشابهة.
غير أن نقطة التحول الحقيقية لم تكن في العتاد وحده، بل في البرمجيات؛ إذ أطلقت الشركة عام 2006 منصة CUDA التي سمحت للمبرمجين والباحثين باستخدام رقائق الرسوميات في الحسابات العامة وليس في الرسم فقط. ومع مرور السنوات بُنيت على هذه المنصة مكتبات وأدوات لا حصر لها، حتى صار ملايين المطورين معتادين عليها، وهو ما يسميه المحللون «الخندق البرمجي» الذي يجعل الانتقال إلى رقائق منافسة أمرًا مكلفًا وصعبًا حتى لو كانت تلك الرقائق قوية.
وجاءت اللحظة الفاصلة عام 2012، حين استخدم باحثون من جامعة تورنتو بطاقتين رسوميتين من إنفيديا لتدريب شبكة عصبية عُرفت باسم AlexNet، فتفوقت بفارق كبير في مسابقة شهيرة للتعرف على الصور، وأثبتت أن رقائق الرسوميات هي المحرك المثالي للتعلم العميق. ومنذ ذلك الحين تتابعت أجيال الرقائق المخصصة لمراكز البيانات، وكان أبرزها جيل هوبر وشريحته H100 التي تحولت بعد ظهور ChatGPT أواخر 2022 إلى أكثر قطعة إلكترونية طلبًا في العالم.
وفي عام 2024 كشفت إنفيديا عن جيل بلاكويل، ثم طورته إلى بلاكويل ألترا الذي تقول الشركة إنه يقدم إنتاجية أعلى بخمسين ضعفًا وتكلفة أقل بخمسة وثلاثين ضعفًا لكل وحدة نصية يولدها النموذج مقارنة بجيل هوبر. ولا تبيع الشركة اليوم شريحة منفردة فحسب، بل خزائن كاملة تضم عشرات الرقائق المتصلة بشبكات فائقة السرعة تعمل كأنها حاسوب عملاق واحد، إلى جانب معالجات مركزية وأجهزة شبكات وأنظمة تبريد سائل.
أما الجيل التالي فيحمل اسم «فيرا روبين» تكريمًا لعالمة الفلك الأمريكية التي قدمت أدلة حاسمة على وجود المادة المظلمة، ويتكون من معالج رسوميات باسم روبين ومعالج مركزي باسم فيرا. وقد أعلنت إنفيديا عن المنصة في مطلع 2026 بست رقائق جديدة، ثم أضافت إليها في مؤتمر GTC في مارس الماضي رقاقة سابعة مخصصة للاستدلال السريع، جاءت ثمرة اتفاق ترخيص مع شركة Groq. وتُصنع رقائق روبين لدى شركة TSMC التايوانية بتقنية 3 نانومتر، وتعتمد على الجيل الرابع من الذاكرة عالية النطاق HBM4، وتعد الشركة بخفض تكلفة تشغيل النماذج حتى عشرة أضعاف مقارنة ببلاكويل. وأكدت إنفيديا في يوليو 2026 أن أنظمة فيرا روبين بدأت تصل فعليًا إلى عملاء كبار من بينهم OpenAI ومايكروسوفت وجوجل كلاود وميتا.
وتعكس الأرقام المالية حجم هذا الطلب؛ فقد بلغت إيرادات إنفيديا في السنة المالية المنتهية في يناير 2026 نحو 215.9 مليار دولار، ثم سجلت في الربع المنتهي في يوليو 2026 إيرادات قدرها 96.2 مليار دولار بزيادة 106 في المئة على أساس سنوي، منها 89 مليار دولار من قطاع مراكز البيانات وحده. وتتوقع الشركة أن تصل إيرادات الربع الحالي إلى نحو 108 مليارات دولار، في حين وصف جنسن هوانغ المرحلة الراهنة بأنها لحظة صار فيها الذكاء الاصطناعي يؤدي عملًا مفيدًا ومربحًا.
لكن الطريق ليس مفروشًا بالورود؛ فالسوق الصينية التي كانت تمثل جزءًا مهمًا من مبيعات الشركة تكاد تكون مغلقة أمام رقائقها المتقدمة بسبب قيود التصدير الأمريكية، وتقول إنفيديا إنها لا تفترض أي إيرادات من الصين لرقائق مراكز البيانات في توقعاتها. كما تسعى كبرى شركات الحوسبة السحابية إلى تقليل اعتمادها عليها عبر تصميم رقائق خاصة بها، مثل وحدات TPU من جوجل ورقائق Maia من مايكروسوفت ورقائق أمازون، إلى جانب منافسة شركة AMD بسلسلة معالجات Instinct. ويضاف إلى ذلك أن الطلب الهائل على رقائق روبين يضغط على إمدادات الذاكرة والمكونات الإلكترونية، ويرفع أسعارها على قطاعات أخرى.
وتطرح هيمنة إنفيديا أسئلة أوسع من حدود شركة واحدة؛ فعندما يعتمد قطاع كامل على مورد رئيسي، تصبح قدرة الدول والشركات على بناء نماذج الذكاء الاصطناعي مرتبطة بحصولها على هذه الرقائق، ولهذا صارت رقائق الذكاء الاصطناعي جزءًا من حسابات الأمن القومي والسياسة الخارجية، وسلعة استراتيجية تشبه في أهميتها النفط في القرن الماضي.
وفي المحصلة، لم تصل إنفيديا إلى موقعها الحالي بسبب قوة رقائقها وحدها، بل بفضل رهان مبكر على الحوسبة المتوازية، ومنظومة برمجية بنتها بصبر على مدى عقدين، وقدرة على تحويل الشريحة إلى نظام متكامل. ويبقى السؤال المطروح في السنوات المقبلة هو ما إذا كان المنافسون والرقائق المخصصة سينجحون في كسر هذه الهيمنة، أم أن الأجيال الجديدة مثل فيرا روبين ومن بعدها ستُبقي الشركة في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي لفترة طويلة.
ــــــــــــــــــــ
هذا المحتوي تم باستخدام أدوات الذكاء الإصطناعي






