معلومه مهمه

الخوارزميات: الوصفة الخفية التي تحدد ما تشاهده وما تشتريه كل يوم

تقرير تكتبه ـ أمل علوي:

منذ اللحظة التي تفتح فيها هاتفك صباحًا حتى تخلد إلى النوم، ثمة شيء يعمل في الخلفية ويختار لك الفيديو الذي سيظهر أمامك، والطريق الذي ستسلكه، والإعلان الذي سيصادفك، بل حتى الأغنية التي ستستمع إليها بعد انتهاء التي تسمعها. هذا الشيء يُسمى «الخوارزميات»، وهي ببساطة خطوات محددة ومرتبة تتبعها الآلة للوصول إلى نتيجة. وفي هذا التقرير نتعرف على معنى الخوارزمية، ومن أين جاءت، وكيف أصبحت العقل الذي يحرك التطبيقات والذكاء الاصطناعي، وما المخاطر التي ينبغي أن ننتبه إليها.

والأمر أبسط مما تتخيل؛ فالخوارزمية تشبه وصفة الطعام تمامًا: لديك مكونات، ولديك خطوات يجب تنفيذها بترتيب معين، وإذا اتبعتها بدقة فستصل إلى الطبق نفسه في كل مرة. والفارق أن المكونات هنا بيانات، والطاهي حاسوب، والطبق قد يكون ترتيب نتائج بحث، أو تحديد أقصر طريق إلى العمل، أو كشف رسالة احتيال قبل أن تصل إليك.

والمفاجأة التي لا يعرفها كثيرون أن الكلمة نفسها عربية الأصل؛ إذ تعود «الخوارزمية» إلى اسم العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي، الذي عاش في بغداد في القرن التاسع الميلادي وعمل في بيت الحكمة. وقد تُرجمت كتبه في الحساب والجبر إلى اللاتينية في أوروبا، ونُطق اسمه هناك بصيغة قريبة من «ألجوريتمي»، ومع مرور الوقت أصبحت الكلمة تعني أي طريقة منظمة لحل مسألة خطوة بخطوة. أي إن أساس لغة الحاسوب الحديثة، دون مبالغة، يحمل اسم عالم من تراثنا.

عندما تبحث عن أي شيء في محرك بحث، تعمل خوارزميات على فرز ملايين الصفحات في جزء من الثانية وتقرر أيها يظهر أولًا. وقد اشتهرت جوجل قديمًا بفكرة أن الصفحة التي تشير إليها مواقع كثيرة تكون مهمة في الغالب، أما اليوم فيعتمد الترتيب على عوامل كثيرة جدًا، مثل جودة المحتوى، وسرعة الموقع، وموقعك الجغرافي، واللغة التي تكتب بها. وتقوم تطبيقات الخرائط كذلك على خوارزميات قديمة ومعروفة لحساب أقصر مسار بين نقطتين، أشهرها خوارزمية العالم الهولندي إدسخر دايكسترا، ثم تُضاف إليها بيانات الازدحام اللحظية لتخبرك بموعد وصولك.

أما مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والموسيقى فهي ميدان «خوارزميات التوصية»؛ إذ تراقب المنصة المنشور الذي توقفت عنده، والفيديو الذي أكملته حتى نهايته، وما أبديت إعجابك به أو شاركته، ثم تقارن سلوكك بسلوك ملايين المستخدمين الذين يشاركونك الذوق نفسه، لتقدم لك ما يُرجَّح أن يعجبك ويبقيك مدة أطول. ولهذا، إذا شاهدت عدة مقاطع طبخ متتالية، فستجد صفحتك كلها قد امتلأت بالطعام خلال يومين.

وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الصورة؛ فالخوارزميات التقليدية يكتب المبرمج كل خطوة فيها بنفسه، أما خوارزميات «تعلم الآلة» فتتعلم القواعد بنفسها من البيانات. فأنت تزودها بآلاف الأمثلة لرسائل مزعجة (سبام) ورسائل عادية، فتكتشف الفروق وحدها وتبني طريقتها في التمييز بينها. والنماذج اللغوية الكبيرة التي نحادثها اليوم ليست في النهاية سوى خوارزميات ضخمة جدًا دُرّبت على كميات هائلة من النصوص لتتوقع الكلمة التالية بدقة عالية.

غير أن لهذه القوة وجهًا آخر ينبغي الانتباه إليه. فأولى المشكلات هي «التحيز الخوارزمي»: إذا كانت البيانات التي تعلمت منها الخوارزمية تتضمن ظلمًا أو نقصًا، فستكرر النتيجة الظلم نفسه، كنظام لفرز طلبات التوظيف يفضّل فئة بعينها لأن بيانات الماضي كانت كذلك. والمشكلة الثانية هي «فقاعة الترشيح»، أي أن تواظب المنصة على عرض ما يؤكد رأيك فحسب، فتشعر بأن العالم كله يرى ما تراه، دون أن تدرك أنك محبوس داخل دائرة ضيقة. أما المشكلة الثالثة فهي الغموض، إذ أصبحت خوارزميات كثيرة معقدة إلى درجة أن صانعيها أنفسهم يعجزون أحيانًا عن تفسير سبب اتخاذها قرارًا بعينه.

ولهذا بدأت حكومات وهيئات كثيرة حول العالم تتحدث عن قواعد تُلزم الشركات بالشفافية، وتمنح المستخدم الحق في معرفة كيفية اتخاذ القرارات التي تؤثر فيه، لا سيما في المجالات الحساسة كالقروض والتوظيف والصحة. والفكرة ليست أن نخشى الخوارزميات، بل أن نفهمها ونطالب بأن تكون عادلة وخاضعة للرقابة.

ولك أنت بوصفك مستخدمًا دور أيضًا: أن تنوّع مصادرك وتبحث بنفسك بدلًا من انتظار ما يُعرض عليك، وأن تراجع إعدادات الخصوصية في التطبيقات، وأن تتذكر أن ما تراه على الشاشة ليس صورة كاملة للعالم، بل اختيار أجرته آلة بناءً على ما تظن أنك تريده. لقد بدأت الخوارزميات من كتاب في الحساب ببغداد، وأصبحت اليوم تشكّل جزءًا كبيرًا من يومنا، والفارق كله بين أن تعمل لصالحنا أو أن تتحكم فينا هو مدى فهمنا لطريقة عملها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المحتوي تم باستخدام أدوات الذكاء الإصطناعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى