شتاء الذكاء الاصطناعي.. حين تجمّد الحلم مرتين فهل يعود البرد من جديد؟

تقرير تكتبه ـ أمل علوي:
قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي حديث العالم، مر هذا المجال بفترات طويلة من الإحباط تراجع فيها التمويل، وأُغلقت فيها مختبرات، وصار الباحثون يتجنبون وصف أعمالهم بأنها «ذكاء اصطناعي» خوفًا من رفض المشروعات. هذه الفترات تُعرف باسم «شتاء الذكاء الاصطناعي»، وهو مصطلح يصف ما يحدث حين تفشل التقنية في الوفاء بالوعود المبالغ فيها، فينقلب الحماس إلى خيبة أمل. وفي هذا التقرير نروي قصة شتاءين كبيرين عرفهما المجال، ونشرح أسبابهما، ونتوقف عند السؤال الذي يتردد اليوم مع الإنفاق القياسي على الذكاء الاصطناعي: هل يمكن أن يعود الشتاء من جديد؟
وُلد الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالًا علميًا في مؤتمر دارتموث بالولايات المتحدة صيف عام 1956، وسادت في تلك المرحلة ثقة كبيرة بأن الآلات ستضاهي البشر خلال عقود قليلة. ونجحت البرامج الأولى في حل مسائل منطقية ولعب الشطرنج وإثبات نظريات رياضية بسيطة، فتدفقت أموال الحكومات، خاصة من وكالة مشروعات البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية التي عُرفت لاحقًا باسم DARPA. لكن هذه النجاحات كانت في بيئات محدودة ومصطنعة، وحين حاول الباحثون نقلها إلى مشكلات العالم الحقيقي اصطدموا بجدار من التعقيد وبقدرات حاسوبية متواضعة جدًا.
بدأت ملامح الشتاء الأول بالظهور منتصف الستينيات؛ ففي عام 1966 خلص تقرير أمريكي عُرف باسم تقرير ALPAC إلى أن الترجمة الآلية أبطأ وأقل دقة وأعلى تكلفة من الترجمة البشرية، فتوقف جزء كبير من تمويلها. وفي عام 1969 نشر مارفن مينسكي وسيمور بابرت كتاب «البيرسبترونات» الذي أوضح حدود الشبكات العصبية البسيطة ذات الطبقة الواحدة، فتراجع الاهتمام بهذا الاتجاه لسنوات طويلة. ثم جاءت الضربة الأقوى عام 1973 مع تقرير أعده العالم البريطاني جيمس لايتهيل بتكليف من الحكومة، وانتقد فيه فشل الذكاء الاصطناعي في تحقيق أهدافه الكبرى، وهو ما أدى إلى تقليص دعم أبحاث المجال في معظم الجامعات البريطانية. وفي الفترة نفسها تقريبًا وجهت DARPA تمويلها نحو مشروعات ذات تطبيقات عسكرية مباشرة، فدخل المجال شتاءً امتد حتى أواخر السبعينيات.
ومع مطلع الثمانينيات عاد الربيع عبر ما يُسمى «الأنظمة الخبيرة»، وهي برامج تحاكي قرارات الخبراء البشريين في مجال محدد عبر آلاف القواعد المكتوبة يدويًا، مثل نظام XCON الذي ساعد شركة DEC على إعداد طلبات أجهزة الحاسوب ووفر لها ملايين الدولارات. وأطلقت اليابان عام 1982 مشروع «حواسيب الجيل الخامس» الطموح، فردت الولايات المتحدة وبريطانيا ببرامج تمويل ضخمة، وازدهرت شركات تبيع حواسيب متخصصة تعمل بلغة البرمجة ليسب.
لكن هذا الازدهار لم يدم؛ ففي عام 1984 حذر باحثون بارزون، بينهم مارفن مينسكي وروجر شانك، خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية للذكاء الاصطناعي من أن الحماس المفرط سيقود إلى انهيار، وهناك ظهر مصطلح «شتاء الذكاء الاصطناعي» للمرة الأولى. وتحققت النبوءة سريعًا؛ فقد انهار سوق حواسيب ليسب عام 1987 بعدما صارت الحواسيب الشخصية أرخص وأقوى، وتبين أن الأنظمة الخبيرة هشة ومكلفة في الصيانة وتعجز عن التعامل مع أي حالة خارج قواعدها، ولم يحقق المشروع الياباني أهدافه الكبرى. وهكذا دخل المجال شتاءه الثاني الذي امتد حتى منتصف التسعينيات تقريبًا.
ولم يكن الشتاء موتًا للمجال، بل فترة عمل هادئ؛ فخلالها طور الباحثون أساليب التعلم الآلي الإحصائية، وحافظت مجموعة صغيرة من العلماء على أبحاث الشبكات العصبية رغم قلة التمويل. ثم التقت هذه الأفكار مع البيانات الضخمة التي وفرها الإنترنت ومع قوة رقائق الرسوميات، فجاءت نقطة التحول عام 2012 مع نجاح التعلم العميق في التعرف على الصور، تلتها معمارية المحولات عام 2017، ثم إطلاق ChatGPT أواخر 2022 الذي نقل الذكاء الاصطناعي من المختبرات إلى جيوب مئات الملايين.
واليوم يعيش المجال أزهى مواسمه، لكن أصواتًا عديدة تتساءل عن استدامة هذا الازدهار. فتقديرات حديثة نشرتها مجلة هارفارد بزنس ريفيو في سبتمبر 2026 تشير إلى إنفاق رأسمالي على الذكاء الاصطناعي يقترب من 630 مليار دولار خلال العام الجاري، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن أكثر من 700 مليار دولار لكبرى شركات الحوسبة السحابية وحدها. وقد قارن بنك التسويات الدولية في تقرير صدر في يوليو 2026 موجة الاستثمار الحالية بفقاعات مالية سابقة مثل فقاعة الإنترنت، محذرًا من أن انهيارها قد يضر بالاقتصاد العالمي.
في المقابل يرى فريق آخر أن الوضع الحالي يختلف جذريًا عن شتاءي الماضي؛ فالتقنية تُستخدم فعليًا يوميًا في البرمجة والكتابة والبحث وخدمة العملاء، وتحقق الشركات المزودة للبنية التحتية إيرادات حقيقية وضخمة، كما تمول الشركات الكبرى استثماراتها في الغالب من أرباحها التشغيلية. ويفرق كثير من الخبراء بين «فقاعة مالية» قد تنفجر فتسبب تصحيحًا مؤلمًا في الأسواق وتقليصًا للإنفاق، وبين «شتاء علمي» يتوقف فيه تقدم المجال نفسه وينصرف عنه الباحثون، ويرون أن الأول ممكن بينما يبدو الثاني مستبعدًا في المدى القريب.
ويحمل تاريخ شتاء الذكاء الاصطناعي دروسًا مهمة لكل من يتابع هذا القطاع اليوم؛ أولها أن الوعود المبالغ فيها أخطر على التقنية من إخفاقاتها، وثانيها أن التقدم الحقيقي يحتاج إلى صبر وتمويل مستقر لا إلى موجات حماس متقلبة، وثالثها أن الأفكار التي تُهمل في زمن البرد قد تكون بذور الربيع التالي، كما حدث مع الشبكات العصبية التي عادت بعد عقود لتقود الثورة الحالية. ويبقى الحكم على ما إذا كان الازدهار الحالي سيستمر أم سيبرد مرهونًا بقدرة التقنية على تحويل الاستثمارات الهائلة إلى قيمة ملموسة في حياة الناس والشركات.
ــــــــــــــــــــ
هذا المحتوي تم باستخدام أدوات الذكاء الإصطناعي






